الحلبي
215
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
تقف صفوفا خلف آدم يتعجبون من ظهور ذلك النور ، فقال آدم يا رب : ما بال هؤلاء ينظرون إلى ظهري ؟ قال : ينظرون إلى نور محمد خاتم الأنبياء الذي أخرجه من ظهرك فسأل اللّه تعالى أن يجعله في مقدمه لتستقبله الملائكة ، فجعله اللّه في جبهته ، ثم سأل اللّه تعالى أن يجعله في محل يراه ، فكان في سبابته ، فلما أهبط آدم إلى الأرض ، انتقل ذلك النور إلى ظهره ، فكان يلمع في جبهته ، وفي رواية : لما انتقل النور إلى سبابته قال : يا رب هل بقي في ظهري من هذا النور شيء ؟ قال : نعم ، نور أخصاء أصحابه ، فقال : يا رب اجعله في بقية أصابعي ، فكان نور أبي بكر في الوسطى ، ونور عمر في البنصر ونور عثمان في الخنصر ، ونور عليّ في الإبهام ، فلما أكل من الشجرة عاد ذلك النور إلى ظهره كذا في بحر العلوم عن ابن عباس . ثم انتقل ذلك النور من آدم إلى ولده شيث ، ولما قال تعالى للملائكة : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [ البقرة : الآية 30 ] و قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [ البقرة : الآية 30 ] يعنون الجن الذين أفسدوا فيها وسفكوا الدماء ، غضب عليهم . وفي لفظ : ظنت الملائكة : أي علمت أن ما قالوا ردا على ربهم ، وأنه قد غضب عليهم من فوقهم ، فلاذوا بالعرش وطافوا به سبعة أطواف يسترضون ربهم فرضي عليهم . وفي لفظ : فنظر اللّه إليهم ، ونزلت الرحمة عليهم ، فعند ذلك قال لهم ابنوا لي بيتا في الأرض يعوذ به من سخطت عليه من بني آدم : أي الذي هو الخليفة ، فيطوفون حوله كما فعلتم بعرشي فأرضى عنهم ، فبنوا الكعبة . وفي هذه الرواية اختصار ، بدليل ما قيل : وضع اللّه تحت العرش البيت المعمور على أربع أساطين من زبرجد يغشاهن ياقوتة حمراء ، وقال للملائكة : طوفوا بهذا البيت : أي لأرضى عنكم ، ثم قال لهم : ابنوا لي بيتا في الأرض بمثاله وقدره : أي ففعلوا ، وقدره عطف تفسير على مثاله ، فالمراد بالمثال القدر . وفي لفظ لما قال تعالى للملائكة : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [ البقرة : الآية 30 ] و قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [ البقرة : الآية 30 ] الآية خافوا أن يكون اللّه تعالى عابها عليهم لاعتراضهم في علمه ، فطافوا بالعرش سبعا يسترضون ربهم ، ويتضرعون إليه ، فأمرهم أن يبنوا البيت المعمور في السماء السابعة ، وأن يجعلوا طوافهم به فكان ذلك أهون عليهم من الطواف بالعرش ، ثم أمرهم أن يبنوا في كل سماء بيتا ، وفي كل أرض بيتا . قال مجاهد : هي أربعة عشر بيتا متقابلة ، لو سقط بيت منها لسقط على مقابله ، والبيت المعمور في السماء السابعة ، وله حرمة كحرمة مكة في الأرض ، واسم البيت الذي في السماء الدنيا بيت العزة . وفي كلام بعضهم : في كل سماء بيت تعمره الملائكة بالعبادة كما يعمر أهل